Tags

يفسر أصحاب نظرية النشوء والارتقاء تطور الكائنات الحية بسبب طفرات كانت تحدث على مدار تاريخ كوكب الأرض منذ نشأة الحياة عليه كنتيجة لعوامل طبيعية أدت إلى تغييرات في السمات الوراثية للكائنات الحية، وعبر مجموعة من المفاهيم العلمية (مثل الانتقاء (الاصطفاء) الطبيعي؛ والقدرة على التًكًيُف؛ والانتواع (التشعب إلى أنواع)؛ والتعاون (التأثرات النفعية المتبادلة بين الكائنات الحية)؛ والانقراض) شرحت النظرية كيفية تحول الكائنات وحيدة الخلية إلى أخرى متعددة الخلايا والتي استمرت لمئات الملايين من السنين (أو لنقل مليارات حيث توجد حفريات لكائنات بدائية النوى منذ أكثر من 3 مليار سنة ويعقبها حفريات أخرى لكائنات وحيدة الخلية من حوالي 2.7 مليار سنة وتليها الكائنات متعددة الخلايا من ما يقرب من مليار سنة).

planet-earth-eye-22529067وعندما أسرح بخيالي في أن جسم الإنسان البالغ يحتوي على عدة مليارات من الخلايا (يحتوي جسم الشخص متوسط الحجم على حوالي 6 مليارات خلية متوزعة على جميع أجزاء جسمه من شعره وحتى أخمص قدميه مروراً بجميع أجهزته الحيوية)، وأذهب بعيداً إلى أن عدد سكان الأرض من البشر حالياً يقدر بحوالي 7 مليارات إنسان مختلفي الجنس والدين واللون والعرق، أتخيل اليوم الذي سوف يجيئ ويتحول جميع البشر إلى كائن أرضي واحد، يلعب فيه كل إنسان دور خلية من خلايا الجسم الواحد، فقد يكون دور هذا الشخص أن يؤدي وظيفة في مراكز التفكير والتحكم والسيطرة (مثل المخ)، ودور ذاك أن يكون جزءاً من نظام الإمداد (مثل الجهاز الهضمي أو التنفسي)، كائن واحد تتعاون جميع خلاياه من أجل خيره وبقائه، ويرعى كل منهم الآخر ويسهر على احتياجاته، يذوب كل مهم في صالح المجموع، ويرعى المجموع كل فرد منهم.

والطفرة التي أتحدث عنها قد بدأت (وطريق الألف ميل يبدأ بخطوة)، وأعزوها إلى التقدم الذي يحدث في تقنيات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فأي كائن حي يحتاج إلى جهاز عصبي يستطيع نقل الإشارات من أي عضو من أعضائه إلى الأعضاء الأخرى، وهنا تلعب تقنيات الاتصالات هذا الدور، ويحتاج أيضاً إلى جهاز مركزي للإدارة واتخاذ القرار، وهنا يجيئ دور تقنيات المعلومات.

ولكن هذا الكائن يحتاج قبل هذين الجهازين لأشياء أخرى كثيرة، يحتاج أن تتوحد خلاياه حول هدف أو أهداف مشتركة، يحتاج إلى أن تستطيع خلاياه أن تلعب كل منها دورها المطلوب باقتدار وكفاءة، يحتاج إلى درجة مطلقة من الشفافية بين جميع الخلايا فلا أتصور أن خلية في كائن ما تستطيع أن تخفي شيء عن خلايا نفس الكائن الأخرى، يحتاج أن تتعامل خلاياه مع بعضها البعض بروح يسودها التعاون والتكامل والمسئولية المشتركة قبل أن يفرقها التناطح والتنافس والاختلاف، يحتاج لوعي عام ناضج وغير ذلك من عوامل التوحد.

ونحن نسير في هذا الاتجاه رغم جميع المصاعب، ومرة أخرى تلعب نظم الاتصالات والمعلومات دوراً أساسياً في هذا الطريق، فاليوم نشاهد الإعصار الذي حدث في الفليبين على الهواء ونتفاعل معه وذلك يزيدنا قرباً من بعضنا البعض، وتلعب تقنيات الاتصالات والمعلومات دوراً فاعلاً في تحسين مستوى التعليم والتدريب وزيادة كفاءة الأفراد، ويتغير العالم من حولنا وتلعب جميع التقنيات الحديثة من هواتف محمولة وكروت ائتمان وشبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام دوراً كبيراً حتى نصبح مكشوفين كل منا للآخرين أكثر وأكثر يوماً بعد يوم وسوف يزداد وتيرة ذلك شئنا أم أبينا، وبازدياد الشفافية يزداد التعارف وتنمو الثقة، وبالثقة ينشأ التفاهم ويزداد التناغم بين جميع الأفراد بعد زمن مهما طال، ويتكيف الغالبية العظمى من البشر مع هذه المتغيرات والتقنيات الجديدة بشكل مبشر، وبكل أسف سوف يتعرض من لن يستطيع التكيف للانقراض.

قد يبدوا ما سبق خيالاً رومانسياً بعيداً عن الواقع، ولكني أصارحكم القول بأنني مقتنع بهذا المستقبل أشد اقتناع، وكي أزيدكم صراحة فإن الخاطر الذي يخطر على بالي كلما سرت في طريق (High way) في الخارج ورأيت كيف تسير السيارات بمنتهى النظام واليسر تخيلت أنه شريان من شرايين هذا الكائن الأرضي الواحد ممتلئ بالصحة والحيوية، تسيير فيه سيارات النقل مثل كرات الدم الحمراء تحمل الزاد والزواد لباقي أعضاء الجسم، وسيارات الشرطة والخدمات من مطافئ وإسعاف مثل كرات الدم البيضاء، وأقارنه بالطرق في مصر وكيف أنها مصابة بتصلب الشريان ومليئة بالجلطات وتنزف من كل موضع، لن أزيد في الحديث عن ذلك الآن حتى لا أقتل رومانسية الموضوع.

بالطبع أنا لا أتحدث عن أن ذلك سوف يحدث خلال يوم أو سنة أو حتى قرن، ولكني واثق أنه سيحدث بإذن الله تعالى في يوم من الأيام، ما زال هناك الكثير والكثير، وما تم هو مجرد خطوة متناهية الصغر، لكن الهدف يستحق، وجميع الانجازات العظيمة تبدأ بحلم، لو عايز تشارك في تحقيقه فالطريق مفتوح، وعناصره هي تقدم علمي وتقني وسمو أخلاقي و قبل ذلك وعي وإيمان بأن الله تعالى قد خلقنا كي نعمر الكون.

ما يؤرقني في الخيال هو يا ترى يا هل ترى… عندما يتوحد البشر الذين يقطنون كوكب الأرض في كائن واحد، وسوف يكون عندها بالطبع قد انتقل بعضنا لإعمار كواكب أخرى مثل المريخ وربما في مجموعات شمسية أخرى، هل سوف يبدأ صراع بين الكائنات الكوكبية مثل الأرض والمريخ وغيرهم على الموارد الكونية؟

حتى وإن حدث… لا يهم… فسوف تمر الأيام وتتقدم العلوم… وتظهر تقنيات جديدة تدفعهم إلى التوحد سوياً وسوف تكون هذه هي الطفرة التالية.

Advertisements