الهدف من أي نص مكتوب أو مسموع هو توصيل معنى معين من كاتب النص أو قائله إلى متلقي النص (سواء كانوا فرداً أو جماعةً)، ولذلك كلما كان النص مفهوماً بشكل قاطع كلما نجح كاتبه أو قائله في تحقيق هدفه، وفي علوم اللغة يسمى المعنى المقصود من النص بالدلالة (Semantics)، وعلم الدلالة هو بحر واسع يشمل النصوص العادية (النثر) والشعرية وغيرها من النصوص، ومن أجل فهم أكثر لعلم الدلالة تعالوا معاً في المثال التالي…

عندما يبدأ الطفل حديث الولادة بتعلم الكلام فإنه يبدأ بمجموعة محدودة من المفردات التي يستطيع من خلالها أن يفهم تعليمات الآخرين وأيضاً أن يعبر عن احتياجاته، فيقول مثلاً “أمبو” للتعبير عن رغبته في الشرب، ويزداد عدد هذه المفردات يوماً بعد يوم حتى يتم تكوين حصيلة كافية لاحتياجاته الأساسية.

وبازدياد معارف الطفل تزداد احتياجاته وتزداد رغبته في التواصل مع من حوله، عندها تصبح الكلمات المفردة غير كافية لتوصيل ما يرغب فيه، فيأخذ في محاولة تركيب مجموعة مفردات سوياً لتوصيل المعنى المركب الذي يريده، فيقول مثلاً “بابا عايزة تروح جدو” هنا لاحظ إنه استخدم “عايزة” مع “بابا” لأنه لا يعلم الفروق بين المذكر والمؤنث وهو قد يكون عادة ما يستمع لوالدته أو لأخته الكبرى وهي تقول عايزة، ولم يستخدم حروف الربط في “جدو” وكان المفروض أن يقول “بابا عايز يروح لجدو”، هنا يبدأ والديه في تعليمه مجموعة من القواعد الأساسية لتكوين الكلمة بتأنيثها أو تذكيرها وإفرادها وجمعها …الخ، كما يقومون أيضا في تعليمه أن هناك قواعد لتركيب أكثر من كلمة سوياً، فعليه أن يقول “أخويا حلو” و”أختى حلوة”، وإذا كان لهذا الطفل أكثر من جد أحياء، فسوف يطلب منه أهله تحديد من الجد المقصود ليقول “باب عايز يروح لجدو فلان”.

في المثال السابق… يطلق في علوم اللغة على المفردات لفظ Vocabulary أو Lexicon، وعلى قواعد بناء الكلمة المفردة لتتناسب مع الزمن أو الإفراد والجمع أو التذكير والتأنيث علم الصرف أو Morphology، وعلى قواعد ربط أكثر من كلمة سوياً علم النحو أو Grammar أو Syntax، أما على قواعد تحديد الجد المطلوب زيارته منعاً لأي لبس فهي علم الدلالة أو Semantics.

toy_bow_and_arrowsالسؤال الذي قد يطرأ على ذهن الشخص العادي هو “لماذا هذا التعقيد؟” وللإجابة عليه أدعوكم للرجوع للفقرة الأولى من هذا المقال والتي اتفقنا فيها على أن الهدف الحقيقي لأي نص هو توصيل المعنى بشكل قاطع وفي أقل وقت ومجهود، وتدور علوم اللغة جميعها حول هذا الهدف، وجميع القواعد الإملائية والصرفية والنحوية والدلالية تشترك في أنها تسعى لتحقيقه، فكلما أجاد الشخص علوم اللغة كلما استطاع إصابة الهدف من أول رمية وبمنتهى الدقة، ولا تقتصر علوم اللغة على اللغات الفصحى، فالعامية المصرية مثلها مثل جميع العاميات الأخرى الأخرى لها قواعدها التي تتفق في معظم الأحيان مع العربية الفصحى، لذلك فأنت تستطيع أن تميز الشخص الأجنبي (يطلق عليه في العامية المصرية الخواجة) ليس فقط من أسلوب نطقه للحروف ولكن أيضاً من حسن أو سوء اتباعه لقواعد الصرف والنحو، الفرق الوحيد أن اللغات الفصحى يتم تدريس قواعدها في المدارس، أما العاميات فنتعلم قواعدها في الحياة اليومية (وإن كانت هناك جامعات تفرد لها فصولاً).

وتعتمد الدلالة على جميع ما سبقها من مراحل علوم اللغة، فهي تعتمد أولاً على قواعد الإملاء دون جدال، وللتمثيل على ذلك أذكر الخطأ الشائع في استخدام التاء والهاء المربوطة، فكلمة “جنيه” تشير إلى العملة المصرية أو الإنجليزية، أما كلمة “جنية” فهي غالباً تشير إلى أنثي الجني (ومعان أخرى)، كما تعتمد الدلالة أيضاً كثيراً على قواعد الصرف وتصريف الكلمات، فالفرق واضح بين “تقابل علي مع أمل، وسارا سوياً، وقال لها” وبين “وقالت له”، وتعتمد كذلك على علوم النحو، فالآية الكريمة “إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ” هي مثال واضح لأن نصب اسم الجلالة بالفتحة ورفع كلمة العلماء بالضمة هي التي تؤكد أن العلماء هم من يخشون الله عز وجل.

وتلعب قواعد اللغة أيضاً دوراً كبيراً في تحسين دلالة النصوص بشكل فعال، فإضافة سين المستقبلة أو ألف الاستفهام في “أستأكل” تجعل معنى الكلمة واضحاً بشكل قاطع، وإذا كان المتكلم يخاطب جمعاً فيه ولد وبنت فالمثال السابق يؤكد أن يسأل الولد، وإذا كلن يرغب في سؤال البنت فكان سيقول “أستأكلي”، ولسؤال الإثنين كان سيقول “أستأكلا”.

بالمثل قواعد النحو، فالفرق بين الصفة والموصوف والمضاف والمضاف إليه هو الذي سوف يفرق بين عبارة “أصدر قرارات جامعة” وهي جملة مفيدة بمعنى أنها قرارات نجحت في توحيد الصفوف، وبين “قرارات جامعة القاهرة” وهي شبه جملة لا تحمل معنى كامل وتعني مجرد قرارات لجامعة القاهرة وتحتاج لخبر.

ودون الإطالة أكثر من ذلك، وكما هي العادة في هذه المدونة التي تعني أول ما تعني بالعصر الرقمي وتأثيره على حياتنا، فقد نجحت برامج الكومبيوتر في العقود الماضية في التعامل مع قواعد الإملاء والمفردات والقواميس والمعاجم، وتطورت لتشمل قواعد النحو وأصبح هناك مدققات إملائية ونحوية، وبرامج قواميس ومعاجم.

ولكن ماذا عن الدلالة… لهذا الحديث بقية إن شاء الله.

Advertisements