يقولون أن الحاجة هي أم الاختراع… وينطبق هذا المثل تماماً على اختراع اللغة والأرقام، ففي البداية وجدت التجمعات البشرية نفسها أمام احتياج شديد لوسيلة للتواصل بين أعضاء كل مجتمع، وسيلة تسمح لكل منهم بالتعبير عن احتياجاته ورغباته للآخرين وتسمح لهم بتنسيق أمور حياتهم اليومية سوياً وتنظيم التعاون فيما بينهم، فجاء اختراع اللغة ليكون قفزة كبيرة في بناء الحضارة الانسانية.

Numbersومع تطور المجتمعات وزيادة جوانب التعامل بين أفرادها، ظهر احتياج جديد لا يقل أهمية عن اللغة وهو كيفية حساب الأشياء، كان الشخص مثلاً إذا أعطى جاراً له أي عدد من الأشياء على سبيل الأمانة (ولنفترض أنه ترك له مثلاً أغناماً ليرعاها له في غيابه) وعلى أن يستردها بعد وقت معين لا يستطيع أن يحسم عدد هذه الأشياء مع جاره، فكان عليهم أن يلجأوا لاحضار إناء فخاري يضعوا فيه في مقابل كل وحدة (رأس من رؤوس الغنم) حجراً ثم يغلقوا هذا الإناء بالفخار، وعن عودته كانوا يكسرون سوياً هذا الإناء ويخرجوا ما به من أحجار وكان على الشخص المؤتمن أن يرد لصاحبه رأساً من رؤوس الأغنام في مقابل كل حجر، سواء كانت هذه اللقطة التعبيرية صحيحة أم لا فإنها تعبر عن كم العناء والاحتياج الذي دفع الأكثر ابتكاراً من البشر كي يقدموا فكرة الأعداد وكيفية العد لغيرهم، وكانت عبقرية هذه الفكرة كفيلة بنشرها بين الناس وقبولهم لها.

تطورت عملية التعامل مع الأرقام بعد ذلك تطوراً كبيراً، وكانت في كل مرة تمثل قفزة أكبر من التي سبقتها، فجاءت عمليات الجمع والطرح، وتلتها عمليات الضرب والقسمة، وهكذا حتى وصلنا لما نحن فيه الآن من علوم الحساب والرياضة المختلفة والمتشعبة.

وكلما تقدمت الحضارة الانسانية ازداد احتياج البشر لعمليات حسابية أكثر تعقيداً ووجدوا أنه من الضروري ابتكار أدوات تساعدهم في ذلك، وظهرت أول أداة مساعدة حوالي 2500 سنة قبل الميلاد وكانت ما يعرف بالعداد الصيني Abacus، وتطورت هذه الأدوات يوماً بعد يوم وظهرت أدوات أكثر تعقيداً للحسابات الفلكية منذ عهود الفراعنة والإغريق، ثم جاء باسكال (Blaise Pascal) في منتصف القرن السابع عشر وقدم أول آلة حاسبة في العالم (من المشوق أن تعلم أن باسكال قد أعلن بأنه اعتمد في هذا الابتكار على رسومات عالم سكندري من العصر البطلمي كان يطلق عليه Hero of Alexandria)، كانت كل هذه الأدوات حتى ذلك الوقت يطلق عليها أنها أدوات ميكانيكية حيث أنها كانت تعتمد على حركة أجزائها من قطع ومساطر وتروس للقيام بألأعمال الحسابية.

ومنذ بدايات القرن الثامن عشر بدأت تظهر في الأفاق أفكار حول نظم العد والحساب وكان من بينها نظام العد الثنائي Binary System الذي يعتبر بحق الأساس التي بنيت عليه جميع الاختراعات الخاصة ليست بأجهزة الحاسب الآلي فقط ولكن بالغالبية العظمى من الاختراعات التي نراها في أيامنا هذه سواء في مجال الحاسبات أو الاتصالات وغيرهم، وفي بدايات القرن العشرين بدأت بشائر هذا الطوفان من الابتكارات والاختراعات، وأخذت وما زالت مستمرة في التنامي يوماً بعد يوم، وتداخلت في جميع أوجه الحياة اليومية فهي مستخدمة في السيارة والمايكروويف، عندما تعمل أو تدرس أو حتى تقضي وقت فراغك.

ولغير المتخصصين أقول أن جميع ما يؤديه جهاز الحاسب الآلي بشكله الذي نعرفه أو تطبيقاته في الأجهزة المنزلية وغيرها هو مبني على شيئين لا ثالث لهما وهما الصفر (0) والواحد (1)، وإن حتى النصوص التي يتصور بعضنا أن جهاز الحاسب الآلي يفهمها هي بالنسبة له ليست أكثر من تركيبات معقدة من الصفر والواحد، حرف a على سبيل المثال يرمز إليه بالرقم 65 ويتعامل الكوميوتر معه على أنه 01000001، وبالعربية وهي لها أكثر من نظام تكويد حرف الألف قد يكون 11000011 وقد يكون 1101100 10100011، وأي كلمة بها أكثر من حرف هي عبارة عن تركيبة هذه الأكواد سوياً بشكل متتالي.

ما قصدته من الفقرة السابقة هو التأكيد للقارئ على أن الكومبيوتر يتعامل مع النصوص كم يتعامل مع كل شيئ آخر عن طريق الأرقام، ومن فرط إجادته وسرعته الفائقة في التعامل مع الأرقام فقد يتخيل البعض منا أنه يتعامل مع النصوص كنصوص ويفهم ما بها من مشاعر وأحاسيس واحتياجات وأراء كما يفعل العقل البشري الذي يميل لاستخدام النص عن الرقم في التعبير عن ما بداخله، وتؤثر الخلفية العلمية والدراسية على قدرات البشر في التعامل مع الأرقام، فأصحاب الخلفية الدراسية العلمية والتطبيقية عموماً أكثر قدرة على التعامل مع الأرقام من أصحاب الخلفيات الدراسية النظرية ودارسي العلوم الانسانية، وحيث أن الإحصائيات العالمية تظهر أن حوالي ثلثي نسبة الحاصلين على مؤهلات عليا ينتمون لدارسي العلوم الانسانية والنظرية (تبلغ نسبتهم في مصر أكثر من 80%) فلنا أن نستنتج أن الغالبية الكبرى من البشر تحبذ استخدام النصوص أكثر بكثير من استخدامها للأرقام.

ولكن هل يفهم الكومبيوتر مضمون النصوص؟ هل يستطيع تحليل المشاعر والإحتياجات والأراء التي يشير إليها نص معين؟

الإجابة هي أن الكومبيوتر بشكله البسيط لا يفهم النصوص ولكن هناك العديد من المحاولات التي تتم في الوقت الحالي لتطوير تقنيات وتطبيقات تسمح له بتحليل النصوص دلالياً، وللحديث بقية إن شاء الله.

Advertisements