Tags

, ,

كم شخص منا ومن أبنائنا تعلم في المدرسة أن الهدف من تدريس مادة اللغة العربية في الأساس هو تحسين قدرته على فهم النصوص العربية عندما يسمعها أو يقرأها، وأن يحسن استغلالها في التعبير عن أفكاره عندما يكتبها؟

وكم منا كان كل ما يتلقاه هو أن مادة اللغة العربية تركز على أن يتعلم كيف يعرب الجمل فيقول إن “الولد يلعب في الحديقة” الولد مبتدأ ويلعب فعل مضارع وفي حرف جر والحديقة اسم مجرور، و”الولد يلعب في الحديقة” جملة فعلية في محل خبر (محلها الرفع!!! لا أخفيك سراً أن هذه العبارة كانت وما زالت تمثل لي شخصياً مشكلة)، ولم يفهم حتى الآن مغزى هذه التركيبة المعقدة؟

دعوني أسأل السؤال بشكل آخر أكثر صراحة… كم منا خرج من مراحل الدراسة المختلفة وهو أكثر حباً واقتناعاً باللغة العربية؟ وكم منا كانت مواد اللغة العربية من نحو ونصوص وقراءة وإملاء سبباً في نفوره منها؟

للأسف الشديد لم نتعلم اللغة العربية من خلال المناهج المدرسية بالشكل السليم، ولم يحاول من علمونا أن يشرحوا لنا ويفهمونا أي شيء من مقاصد هذه القواعد وفوائدها، غالباً لأنهم هم أنفسهم لم يفهموها، ونتج عن ذلك أن غالبيتنا العظمى لا تجيد هذه اللغة الفريدة في مزاياها، بكل تأكيد نجى من ذلك قلة رحمها ربي بمدرس فلتة أو أسرة أكثر دراية أو ظروف خاصة أو موهبة ربانية، ولكن الغالبية… أدع لكم الحكم.

في رأيي المتواضع أن أصل المشكلة ظهر مع بداية وضع قواعد اللغة العربية وظهور ما أطلق عليه كهنوت اللغة، وتروي القصة التالية بعضاً من هذا المفهوم… أن أبا الأسود الدؤلي مر برجل يقرأ القرآن فقال “إن الله بريء من المشركين ورسوله”، كان الرجل يقرأ (رسوله) مجرورة أي أنها معطوفة على المشركين وصحتها مرفوعة لأنها مبتدأ لجملة محذوفة تقديرها “ورسوله كذلك بريء”، فذهب أبو الأسود إلى علي بن أبي طالب وشرح له وجهة نظره من أن العربية في خطر، فتناول علي كرم الله وجهه رقعة ورقية وكتب عليها “بسم الله الرحمن الرحيم، الكلام اسم وفعل وحرف، الاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن ما هو ليس اسماً ولا فعلاً”، ثم قال لأبي الأسود “انح هذا النحو” ومن هنا نشأ استخدام كلمة “النحو”.

Cibaweeوسار بعد ذلك أبو الأسود والفراهيدي وسيبويه (ولأن الأخير أشهرهم ذكراً فقد عنونت المقال باسمه) وغيرهم من علماء اللغة العرب في درب قواعد اللغة العربية، وباليتهم سلكوا درب عبارة علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه في بساطة وحسن منطق ما كتب، ولكن لأن جل ما يحركهم كان هو وضع القواعد التي تتعامل مع آيات القرآن الكريم فقد أخذوا يضعون القاعدة تلو الأخرى، وأخذت القواعد تزداد تعقيداً، ودون أدنى شك فهذا الهدف هو هدف سامي لا أستطيع أن أجادل فيه، ولكن آيات القرآن بما فيها من إعجاز لغوي وبلاغي كانت تحتم عليهم الخروج بقواعد في غاية التركيب، ورغم أن غالبية القواعد التي تحكم آيات القرآن الكريم قلما تستخدم في حوار وكتابات البشر إلا أنهم أصروا على وضعها وتعميمها بشكل وصل بنا إلى ما نحن فيه الآن، وأزيد على ذلك وأتمنى ألا أكون ظالماً أنه قد نشأ للغة العربية كهنوت من سدنة أرادوا كأصحاب مصلحة (مثلهم في ذلك مثل أي كهنوت) تعقيد القواعد، لأن تعقيدها يزيد من مكانتهم ويضعهم في مكانة أعلى أمام العامة ويزيد من لجوئهم إليهم.

اسمحوا لي أن أخرج قليلاً من السياق وأحكي قصة أخرى عما نطلق علية الإنجليزية الحديثة أو Modern English، وقد بدأت بشائر الإنجليزية الحديثة في الظهور في منتصف القرن السادس عشر (حوالي 1550 ميلادية) مع بداية انتشار المطابع حيث تم استحداث حروفاً جديدة (مثل الفصل بين I,j وكذلك u,v) وإلغاء حروف أخرى (كان هناك حرف يسمى thorn يكتب (þ) وتم استبداله بحرفي th)، وتوجت بقاموس أصدره صامويل جونسون في عام 1755 قام فيه أساساً بتبسيط قواعد الإملاء بحيث تحكمها مجموعة محددة من القواعد الثابتة قدر الإمكان، واستحداث عدد غير قليل من المفردات الجديدة التي كانت تستخدم في اللهجات العامية من أصول غير إنجليزية لإعطائها شرعية الاستخدام في الكتابات العلمية والرسمية، الخلاصة أن الإنجليزية الحديثة قد استهدفت ما يلي…

1)      تبسيط قواعد الإملاء.

2)      التقريب بين اللغات العامية والفصحى.

3)      تبسيط أساليب الكتابة المعقدة كي تكون أقرب للشخص العادي متوسط الثقافة.

وللعلم فما زال علماء وطلاب اللغة الإنجليزية المتخصصين يدرسون في المستويات التعليمية المتقدمة اللغة الإنجليزية القديمة ومفرداتها وقواعدها، ومازالت مسرحيات شكسبير تطبع في صورتين، الأولى باللغة التي كتبت بها، والثانية بالإنجليزية الحديثة التي يستطيع غير المتخصصين أن ينهلوا منها.

سؤالي قبل أن أرجع إلى اللغة العربية… هل تعتقدون أن الإنجليزية الحديثة قد طمست الهوية الإنجليزية أم ساعدت على الحفاظ عليها بل وعلى سيادتها (أنا هنا لا أجادل في أن الحركة الاستعمارية الإنجليزية والتقدم التكنولوجي كان لهم أثر كبير كذلك في انتشار الإنجليزية، ولكني أدعي بصدق أن إعادة تشكيل قواعد اللغة كانت في حد ذاتها سبباً في التقدم التكنولوجي ومن ثم الاستعمار المبني على التفوق الحضاري)؟

كم لغة يتحدثها أولادنا؟ العامية في المنزل!!! والفصحى في نشرات الأخبار!!! والإنجليزية في المدارس الأجنبية (بكل أسف)!!! وزادت عليهم الفرانكو أراب في مواقع التواصل الاجتماعي!!! ألا يؤثر ذلك على تحصيلهم؟

وضع قواعد اللغة التي تتعامل مع النصوص القرآنية الكريمة هو هدف سامي بكل تأكيد لأنه يتيح لمن يرغب في فهم معاني القرآن أن يقوم بذلك، ولكنه بكل تأكيد يؤثر على فهم غالبية الناس للغة وإتقان استخدامها في الحياة اليومية، وهو ما يؤثر في الهدف الأول، لماذا لا نفصل القواعد على مستويين، المستوى الأول مبسط يُستخدم في الحياة اليومية ويتم تدريسه لجميع الأشخاص في مراحل الدراسة الإلزامية، قواعد مبسطة تحببهم في اللغة وتقربهم منها وتدفعهم لاستخدامها بدلاً من أن تنفرهم منها، ومستوى متقدم يتم تدريسه للمتخصصين في علوم الدين ولمن يرغب من الطلاب كدورة متقدمة Advanced Course.

ألسنا في حاجة إلى سيبويه جديد يعالج ما سبق حفاظاً على هويتنا؟

Advertisements