Tags

علم

هل تستطيع أن تقرأ الكلمة وتميز معناها دون أي لبس؟ هل أنت واثق أنها عِلم (بمعني شيئ نتعلمه) أو عَلَم (بمعنى راية) أو عَلَّم (بمعنى نقل معارفه لشخص آخر)؟ ما زالت هناك عدة احتمالات أخرى مثل عُلِم، عُلِّم …إلخ.

طبق نفس المفهوم على “كتب” هل هي كَتَبَ أم كُتُب!!!

لماذا هذا الكم من اللبس؟ هل اللغة العربية بهذا الضعف؟

الإجابة قولاً واحداً هي لا، العيب ليس في اللغة العربية ولكن في أسلوب كتابتها، وبالأخص أسلوب كتابتها الحديث.

كانت اللغة العربية تكتب أولاً بدون نقاط أو حركات تشكيل، وعندما بدأ المسلمون الأوائل في كتابة القرآن الكريم وجدوا أن أسلوب الكتابة الشائع به الكثير من أوجه الضعف لتمييز كلمة عن الأخرى، فبدأ أبو الأسود في وضع نقاط فوق أو أسفل الحروف، هل تعلم أن هذه النقاط لم تكن نقاط التمييز بين الحاء والجيم بل كانت نقاط التشكيل مثل الفتحة والضمة والكسرة!!! كانت النقطة فوق الحرف تعني أن ينطق مفتوحاً، وأسفله مكسوراً، وبعده مضموماً، كانت النقطتين تعني الغنة، وكانت عدم وجود نقاط يعني السكون.

Diacraticsوتطور الأمر حتى جاء الفراهيدي في أوائل العصر العباسي فوضع علامات التشكيل بالشكل الذي نعرفه، واستبدل استخدام النقاط حتى يتم بها التمييز بين الجيم والحاء والخاء وغيرها من الحروف، كما أنشأ علامات جديدة مثل التاء المربوطة التي تستخدم كعلامة التأنيث مثلاً ويمكن نطقها كتاء أو كهاء حسب موقعها من الكلام، والياء المقصورة “ى” كأحد أشكال حرف الألف (ما بين الفتحة والألف)، وكان عدد الحروف الهجائية 29 حرفاً حيث كانت الألف حرفاً والألف المهموزة حرفاً فدمجهما سوياً.

قصدت مما سبق التأكيد على النقاط التالية…

الأولى… أن أسلوب كتابة اللغة العربية الحالي هو اجتهاد شخصي من مجموعة من العلماء الأفاضل الذين أرادوا توضيح الكلام بأكبر دقة ممكنة ومنع اللبس، وهو ليس قرآناً ولا مقدس بل هو فكر بشري معرض للتعديل.

الثانية… هي أن الأقدمون (وأنا أتفق معهم) وجدوا أن حروف التشكيل أهم وأدق في تحديد المعني من وضع النقاط أعلى وأسفل الحروف.

الثالثة… هي أن عملية إضافة وحذف الحروف هي عملية تمت ويمكن أن تتم لما فيه صالح اللغة ومستخدميها، وهي لا تمس اللغة بل تمس أسلوب كتابتها الذي يجب التمييز بينه وبين اللغة نفسها كوعاء للفكر البشري كما ذكرت في مداخلة سابقة.

وعندما دخلت المطبعة مصر في عصر الحملة الفرنسية وبدأ استخدام الحروف العربية في الطباعة واجهت من يقومون برص الحروف العربية مشكلة تقنية وهي كيفية وضع علامات التشكيل فوق أو أسفل الحروف في وقت كان كل حرف في الأبجدية عبارة عن قطعة رصاص مصبوب، وكانت البدائل المتاحة أمامهم لا تخرج عن مضاعفة عدد قطع الرصاص خمسة أو ستة أضعاف أو (وهو البديل الأسهل) اهمال حروف التشكيل، وكان اختيارهم ويا ليتهم ما فعلوا هو اهمال حروف التشكيل.

وانتشر هذا الإختيار وساد وأصبحنا جميعاً تربية مدرسة كتابة الحروف العربية بدون تشكيل، كما وقعنا قبل ذلك في مشكلة ضم حرفي الألف والألف المهموزة من أسفل ومن أعلى والياء المقصورة وغيرهم.

من جراء كل ما سبق أصبحت لغتنا الجميلة تعاني من قصور واضح في الحروف الحركية (حروف العلة)، فبمقارنة سريعة بين اللغتين العربية والإنجليزية فيما يتعلق بهذه الحركات سوف نجد أن العربية المستخدمة حالياً بها ثلاثة حروف حركية هي الألف والواو والياء، أما الإنجليزية فبها خمسة حروف a,e,i,o,u ويمكن إضافة الـy,w أحياناً، وزاد من المشكلة أن العربية قلما ما تستخدم تركيبات من هذه الحروف سوياً لتمييز درجة الفتح أو الضم أو الكسر مقارنة بالإنجليزية التي تكثر من استخدام تركيبات شهيرة مثل ea, ei, ie, ou, oa, ou وغيرهم وغيرهم.

وللتأكيد على أهمية الحروف الحركية (أو حروف العلة) في اللغة العربية بالأخص فكر في مثال صعوبة شائعة عند العرب في نطق كلمات انجليزية بها حرفين متلاصقين دون حرف علة في منتصفهم، سوف تجد أن غالبية متحدثي اللغة العربية يضعون دون قصد حرف حركي فيما بينهم، فكلمات مثل strings أو contents أو months تنطق stringes وcontentes وmonthes، لأن الأذن العربية لا تستعذب ربط الحروف غير المتحركة Consonants دون حروف حركية.

إذن نحن نستخدم لغة كثيرة اللجوء للحروف الحركية مع أسلوب كتابة ضعيف في التعبير عنها!!!

وجاءت تقنيات الحاسب الآلي، وانتشرت تطبيقات التعرف الصوتي على النصوص Automatic Speech Recognition – ASR، والتعرف الضوئي على النصوص المكتوبة Optical Character Recognition – OCR، وأصبح مستخدمي اللغات الأخرى يستمتعون بتقنيات عالية الجودة تتيح لهم أفاقاً رحبة للنهل من المعارف والتعامل معها بيسر ودقة، وما زلنا نحن نعاني من كوننا أسرى لطرق قديمة في أساليب الكتابة، ونخشى أن نتطرق إليها حفاظاً على هوية نحن نقتلها.

وتركنا أولادنا أسرى معنا يعانون من نفس القواعد ويهربون من استخدام اللغة التي تربوا عليها ويكتبونها بالحروف اللاتينية ليس من أجل عدم تعودهم على لوحة المفاتيح فقط بل من أجل استخدام حروف العلة التي تمكنهم من تمييز المراد من النص بدقة أكبر وسهولة ويسر.

زاد اللبس… نعم زاد، ولكن ليس من العدل أن نلوم اللغة ولكن الصحيح هو أن نشكر لمن سبقونا جهدهم في ما هداهم إليه فكرهم لأساليب الكتابة ونطوره كي يتماشى مع معطيات زمننا الحالي، ودون أدنى شك سوف يجيئ اليوم الذي يأتي فيه أحفادنا بأفكار أكثر عملية تتفق مع تقنيات جديدة سوف تظهر وتتطلب تعديلات جديدة الله أعلم بها.

Advertisements