Tags

قبل البدء في هذه المداخلة يهمني أن أذكر أن عنوانها مأخوذ من عنوان كتاب قرأته منذ حوالي ثلاثين عاماً وكان له أكبر الأثر في تحديد مسار ارتباطي بتطويع تقنيات الحاسب الآلي لللغة العربية.

مما لا شك فيه أن اللغة هي أحد أهم (إن لم تكن الأهم على الاطلاق) الاختراعات البشرية التي ساهمت بالدور الأكبر في الحضارة البشرية وما ننعم فيه هذه الأيام من مظاهر رفاهية نأمل أن تزداد وتتطور يوماً بعد يوم نحو حلمنا في مجتمع الوفرة الذي يسوده العدل والرخاء وجميع القيم السامية.

واللغة في الأساس هي وعاء الفكر البشري الذي يستطيع الانسان من خلاله التفكير بينه وبين نفسه أولاً، ثم نقل ما يجول في خاطره من أفكار متعلقة بإحتياجاته ومشاعره وأحاسيسه وأحلامه ووصف ما يراه ويشاهده إلى من حوله، وتطورت لتصبح وسيلة لتسجيل الأحداث ونقلها لمن لم يشاهدها، ووسيلة للتنسيق بين فريق من الأشخاص لتنفيذ عمل ما، وأداة لنقل المعارف، بإختصار يمكن وصف اللغة بأنها هي حجر الأساس في بناء شخصية الانسان العاقل (كما يقولون الانسان حيوان متكلم) والأسرة والمجتمع وكل جوانب حياتنا الانسانية.

وكمثال كاريكاتوري لتوضيح أهمية اللغة أدعوك لتسرح بخيالك وتتخيل كيف كان الانسان البدائي قبل اختراع اللغة يقوم بشرح احتياجه لشيئ معين لرفيقه أو أسرته (ولنتخيل أنه كان يرغب في تناول ثمرة مانجو مثلاً)، كم كان يقضي من الوقت ليصف لهم ثمرة المانجو دون وجود هذه الكلمة في قاموس اللغة، بالتأكيد كان يمضي وقتاً طويلاً في وصفها ومحاولة تمييزها عن باقي أنواع الفاكهة، وكم كان يحبط هو ومن حوله عندما يأتونه بثمرة جوافة مثلاً بعد كل المجهود الذي بذلوه.

قصدت من المثال السابق أن أؤكد على أن أحد أهم جوانب تميز لغة عن الأخرى هب قدرتها على التحديد ومنع اللبس Ambiguity، وكلما كانت اللغة أكثر تحديداً وقدرة على شرح الأفكار بشكل أدق واحتمالات لبس أقل كما زادت رقياً، وزاد اقبال الناس على استخدامها في مختلف جوانب الحياة الانسانية والعلمية.

نقطة أخيرة قبل أن أتطرق إلى موضوع المداخلة عن أحزان اللغة العربية، وهي المتعلقة بوصف الفروق الأساسية بين اللغة المنطوقة والمستخدمة وبين أسلوب كتابتها، بين القواعد التي تحكم اللغة كما يستخدمها الناس وبين القواعد التي يتم بها تدريسها وتعليمها.

ولنبدء بالقواعد… ففي جميع مجالات العلوم الإنسانية والطبيعية يقوم العلماء والمتخصصون بدراسة ظواهر معينة، ومن ثم تحليلها لاستخراج المفاهيم والقواعد والقوانين التي تحكمها، ويجيئ بعد ذلك دور العلوم التطبيقية لاستغلال هذه المفاهيم والقوانين لابتكار كل جديد ومفيد، وكلما كانت هذه القواعد أبسط دون اخلال بدقتها كلما كانت القدرة على تطويعها لخدمة الحياة، واللغة في ذلك شأنها شأن جميع العلوم (وإن اختلفت في أنها ليست ظاهرة طبيعية وإنما هي في حد ذاتها ابتكار بشري)، تبدأ بأن يستخدمها أفراد مجتمع ما، وعلى مدار الزمن يضيفوا لها المزيد من المفردات والأساليب الصرفية والنحوية (سوف أفرد بمشيئة الله موضوعاً خاصاً لذلك) حتى تزداد قدرتها على وصف حياتهم وعلومهم بشكل أكثر دقة وأقل لبساً، ثم يجيئ علماء اللغة ويبدأوا في صياغة القواعد المستخدمة فعلاً التي تستطيع أن تشرح ماهية كل أسلوب والغرض منه في خدمة الدقة والوضوح ومنع اللبس.

الكتابة كذلك تأتي بعد ظهور اللغة وشيوعها، فلا توجد في العالم لغة حية (سوى لغات البرمجة 🙂 ) بدأت مكتوبة، بل أن جميع اللغات الحية بدأت منطوقة ومسموعة ثم لجأ مستخدميها لكتابتها.

وكما تطورت قواعد اللغة كي تصف الفعل والزمن والإفراد والتثنية والجمع والصفة والموصوف، تطورت أساليب الكتابة من وصف كل كلمة بصورة اتضح بعد ذلك صعوبتها مع زيادة عدد المفردات كي تظهر الحروف التي يتم استخدامها سوياً لرسم الكلمات أيضاً ولكن بشكل أسهل وأكثر مرونة.

ولتداخل اللغة مع جميع نواحي الحياة الاجتماعية والسياسية والتراثية والدينية، فدائماً مع يواجه أي تطوير للغة مقاومة عنيفة من الأفراد العاديين، ولعل مثال طرق الكتابة هو أكبر دليل على ذلك، فقد كان استخدام الصور في رسم الكلمات منطقياً جداً عندما كانت المفردات تعد بالمئات أو حتى الألاف، ولكن بزيادة عدد المفردات أصبح هذا الأسلوب في منتهى الصعوبة، وعندما ظهرت فكرة (أو لنقل اختراع) الحروف كانت تمثل سبقاً عظيماً لحل هذه المشكلة، وبرغم ذلك قاومت الشعوب على مر التاريخ تغيير أسلوب كتابة لغتها من الصور للحروف، وانتشرت أفكار الحفاظ على الهوية والتراث كأفكار تمنع الانتقال من استخدام الأشكال للحروف، وبكل أسف فقلما قبلت الشعوب فكرة التغيير على مدار التاريخ، وعادة ما أتى التغيير تدريجياً على فترات زمنية طويلة أو جبرياً بانتهاء لغة ما وظهور لغة أخرى (لعل اللغة الصينية التي لا تزال تكتب باستخدام الأشكال حتى الآن هي أكبر دليل على ذلك، حيث قام ماوتسي تونج في ما يطلق عليه الثورة الثقافية بتغيير جذري في عدد الأشكال المستخدمة حيث نزل بها من عشرات الألاف إلى مجرد بضعة ألاف، ولا زالت اللغة الصينية تعاني من عدم تعبير الكلمات المفردة عن الأزمنة والجموع …الخ).

وحتى لا أطيل أكثر من ذلك في المقدمة التي طالت رغماً عني، فسوف أنتقل إلى اللغة العربية وأحزانها.

Arabic-Symbolبداية تتمتع اللغة العربية ببناء رياضي بديع يسمح لها بالتعبير عن جميع الأفكار والعلوم بشكل سلس ودقيق، ولعلنا جميعاً نعرف فكرة جداول الأوزان التي تستطيع أن عبر عن جميع مشتقات جذور الكلمات العربية في شكل (فعل يفعل فهو فاعل أو مفعول ….إلخ)، كما تتمتع اللغة العربية أيضاً بنسق رائع في إضافة السوابق واللواحق على نفس الكلمة كي تضيف لها معنى أكثر دقة (مثال ألف لام التعريف، ون الجماعة، سين المستقبل …الخ)، وللتدليل على قوة هذا البناء الرياضي يمكن الإشارة إلى أننا نستخدم حالياً الكثير من المفردات الأجنبية (أو الأعجمية كما تسمى في علوم اللغة) بمنتهى السلاسة ونصرفها في أشكال الفعل (تليفون… تلفن) والجموع (فاكس… فاكسات) بما يجعلها لغة حية وقوية وقبل كل ذلك جميلة.

ولكن هل تجد هذه اللغة حظها الذي تستحقه؟ بين أبنائها الذين يتحدثون بها قبل أن نتكلم عن الآخرين!!! الإجابة بكل أسف هي لا واضحة وقاطعة.

لماذا… هذا ما أنتوى الحديث عنه في المداخلات القادمة إن شاء الله لو كان للعمر بقية.

Advertisement