العصر الرقمي


مع النصف الثاني من القرن الثامن عشر (حوالي عام 1750 ميلادياً) كان التحدي الأكبر أمام البشرية هو كسر محدودية قدرات الطاقة الإنسانية في كونها أساس جميع عمليات الإنتاج، والانطلاق إلى قدرات الآلات التي تدار بطاقات الخشب والفحم والبترول والكهرباء وحتى الطاقة النووية ليس كبديل عن الذراع البشرية ولكن كأداة تساعدها في القيام بما لم تكن تقدر عليه من قبل، وجاءت الثورة الصناعية كقفزة تاريخية في تاريخ البشرية من أجل توفير حياة أفضل لجميع البشر.

ولقد كان من الطبيعي أن تختلف قدرات الأفراد في استيعاب الأدوات الجديدة واستخدامها، فكان منهم من هو أسرع في تملك المهارات الجديدة المطلوبة ومنهم من لم يستطع أن يتقنها في نفس الوقت، ومثل هذا التباين بين قدرات الأفراد كان هناك تبايناً أكثر في قدرات المجتمعات، كما أن القوانين والأعراف التي كانت تنظم الأعمال الاقتصادية والعلاقات بين أطرافها في ظل العمل اليدوي لم تكن بالضرورة هي أنسب القوانين والأعراف التي تصلح لظهور الماكينات والانتاج الكمي، وخلال السنوات الأولى من الثورة الصناعية (والتي بدأت في توقيت اختلف من مكان لآخر) تسببت هذه الفجوة بين أفراد المجتمع الواحد وبين المجتمعات وبعضها البعض في اضطرابات اجتماعية وسياسية بين هؤلاء الذين تمكنوا من الأدوات الجديدة وبين أولئك الذين لم تسعفهم ظروفهم وإمكانياتهم على التمكن منها بنفس الدرجة، ومع الوقت استقرت الأوضاع بعدما استطاع عموم البشر والمجتمعات من التعامل مع هذا المناخ الجديد.

وخلال العقود القليلة الماضية ظهرت قفزة أخرى في تاريخ البشرية فاقت بكثير القفزة التي سبقتها، كانت القفزة هذه المرة ليست لمساعدة قوى الإنسان العضلية بل لمساعدة قواه الذهنية، وظهرت التقنيات الرقمية من وسائل اتصال وتقنيات معلوماتية وتداخلت في جميع جوانب الحياة، وبحكم طبيعتها فهي لم تكتفي بالتأثير في وسائل الإنتاج (مع عدم التقليل من ذلك) بل تعدتها إلى أساليب التفكير والسلوكيات، وأتاحت لمن يتقنها منبعاً لا ينضب من المعلومات واكتساب المهارات وفتحت لهم أفاقاً بلا حدود في جميع أوجه العمل والحياة.

ومرة ثانية اختلفت قدرات الأفراد والمجتمعات في استيعاب هذه التقنيات، وزاد من صعوبة الأمر أن تقنيات هذه المرة لم تعد محكومة بحدود جغرافية أو اجتماعية بل هي بحكم تكوينها مفتوحة للجميع ومخترقة لجميع الحواجز، ولم تعد مؤثرة فقط في القدرات الفيزيائية للإنسان بل أصبحت تؤثر في أسلوب تفكيره وتصرفاته، وعليه فقد أصبحت الفجوات الحالية والمستقبلية أكبر تأثيراً وأخطر وقعاً.

وكما هو الحال في المرة الأولي حيث لم تستقر الأمور إلا بعد سن القوانين وسيادة الأعراف التي تتعامل مع المتغيرات الجديدة، وتمكن الغالبية من اتقان استخدام أدواتها، فإن الحال الآن لن يستقر إلا بعد استكمال جميع هذه الجوانب قانونية واجتماعية ومهارية، وسيادة أعراف جديدة تتماشى معاها.

وفي هذه المدونة سوف أحاول أن أعرض أفكاري عن هذه الثورة الرقمية وأفاقها والتحديات التي تفرضها وكيفية مواجهتها، وقد يلمس الكثير من هذه الأفاق والتحديات بعض الأمور التي لا تتعلق بمجتمع بعينه، ولكن بحكم كوني مصري وعربي فسوف أركز على الجوانب التي تمس المجتمعات العربية على وجه العموم والمصرية على وجه الخصوص.

لمزيد من المعلومات عن كاتب هذه المدونة رجاء زيارة… http://www.linkedin.com/in/asagamawi

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s